استنساخ الفشل: كيف يعاد سيناريو العراق في الجنوب العربي؟ هرم السيطرة المنهارة.
بقلم: د. ثريا العولقي
رئيسة مركز عدن بوليتيكا للدراسات الاستراتيجية
المدخل: بريمر والقحطاني.. وحدة المسار وعبثية المصير
في مايو 2003، وقع "بول بريمر" قرارات حل الجيش العراقي واجتثاث المؤسسات، واهماً أن الغطرسة قادرة على هندسة إرادات الشعوب، فكانت النتيجة هدم الدولة وإغراق المنطقة في فوضى عابرة للحدود. اليوم، يعيد التاريخ نفسه في المشهد الجنوبي عبر "محمد عبيد القحطاني" (رئيس اللجنة الخاصة السعودية)، الذي يبرز كنسخة استخباراتية معاصرة من بريمر؛ مهندساً لمنظومة تحاول إخضاع الجغرافيا الجنوبية لعملية جراحية فاشلة، تُستبدل فيها العقيدة الوطنية بالولاءات العابرة، والمؤسسات الصلبة بكيانات كرتونية.
تحليل هرم السيطرة المنهارة: استراتيجية "التصفير"
يرتكز التحليل الاستراتيجي لهذا الهرم على أربعة مستويات من التدمير الممنهج:
1. قطع الرأس السيادي (الاحتجاز والإرغام):
تبدأ العملية بمحاولة خنق القرار المستقل عبر "الاحتجاز القسري" للقيادة السياسية الجنوبية في الرياض، وتحويل الحوار من شراكة ندية إلى "إرغام سياسي". هذا السلوك ينسخ تماماً عزل القوى الوطنية العراقية وتعيين "مجلس حكم" بلا أنياب، وهو ما نعتبره في مركزنا "اجتثاثاً مقنّعاً" للسيادة الجنوبية وتفكيكاً لمفاصل القوة التي تشكلت بدماء الشعب.
2. التفكيك العسكري (الاستبدال القاتل):
جوهر المخطط يكمن في استهداف "القوات المسلحة الجنوبية". إن محاولة تفكيك هذه القوات أو استبدالها بمليشيات "هجينة" تدين بالولاء المطلق للجنة القحطاني هو انتحار أمني محقق. فالتاريخ يقول إن "الجيوش البديلة" التي تُبنى في الغرف الاستخباراتية هي أول من ينهار، تاركةً الساحة لتنظيمي "القاعدة" و"داعش" كما حدث في الموصل.
3. تدوير النفايات السياسية وتفريخ المكونات (الرهان الخاسر):
يتعمد القحطاني إعادة إنتاج "تنظيم الإخوان المسلمين" وقوى الفساد عبر "تفريخ" مكونات جنوبية هجينة وصناعة قيادات "كرتونية" لخلخلة الصف الجنوبي. إن هذه الكيانات الورقية تصطدم مباشرة بوعي شعبي صلب يدرك أن تعدد الولاءات للخارج هو أقصر الطرق للضياع، وهي لن تكون سوى عبء استراتيجي على صانعها لافتقارها للشرعية والميدان.
4. القاع المحترق (الأزمة المعيشية وتهديد الملاحة):
قاعدة الهرم هي "الإفقار الممنهج" واستخدام الملف الخدمي كـ "سلاح سياسي" لتركيع الحاضنة الشعبية. هذا العبث لا يهدد استقرار الجنوب فحسب، بل يحول قلب "باب المندب" إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وإعادة إنتاج مأساة الفراغ الأمني التي مكنت الإرهاب من مفاصل الدولة العراقية.
الحتمية الاستراتيجية: الشعوب الحية لا تُلغى
إن الرسالة التي يرسلها مركز عدن بوليتيكا هي أن "هندسة الشعوب" من الخارج رهان خاسر؛ فالجنوب العربي اليوم يمتلك "كتلة صلبة" سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاوزها بضغوط فندقية. إن استقرار المنطقة لا يمر عبر تفخيخ الميدان بجيوش بديلة، بل بالاعتراف بالحقيقة الوحيدة: المجلس الانتقالي وقواته كشريك سيادي أصيل.
خاتمة ونصيحة لـ "القحطاني" ولصناع القرار في الرياض:
إن العبث بتركيبة القوى في الجنوب هو استثمار في "اللانظام". خذوا العبرة من فشل "بريمر" الذريع؛ فالشعوب الحية لا تُلغى بقرارات استخباراتية، والتاريخ لا يرحم من يزرع الفراغ في أرضٍ تأبى الوصاية. الجغرافيا السياسية للجنوب لن تسمح لكم بمغادرة المشهد دون دفع ثمن الفوضى التي تزرعونها.
الجنوب ليس ساحة تجارب.. ومن لم يقرأ دروس بغداد، لن يفهم أبداً صلابة عدن.
صادر عن: مركز عدن بوليتيكا للدراسات الاستراتيجية
25 أبريل 2026